Sunday, December 08, 2024

في ذكرى الألم

 قالت لي صديقتي

إن الملل يحيط بها

وأن حزنا ما

يواجهها في المرآة كل يوم

قلت إنني أعرف تماما ما تشعر به

وأن الأزمة بأكملها أننا مضطرون 

مضطرون لكل شيء

ولأي شيء

أن تدرك أنك مضطر

للضحك

أو تمثيل السعادة

أو حتى 

أن تكون مضطرا لتناول وجبة طعام

ربما لاترغب فيها من الأساس


طاولة معدة لشخص واحد

جانب واحد من السرير مبعثر

فرشاة أسنان وحيدة على الحوض

كوب واحد مثالي وأكواب لم تستعمل قط


هذا ما يصفه العالم بالوحدة


لكن

أن تكون وحيدا 

أفضل من أن تختار أطول الطرق كي لا تعود للمنزل

أن تغلق هاتفك كي لا يواجهك أحدهم بحقيقة العالم

أنت 

أكثر من يعرف حقيقة العالم

 بل ربما 

أنت أكثر من لا يرغب من العالم أي شيء

 وأن غرفة مليئة بالصور 

و اسطوانة موسيقى لا تنقطع أبدا 

هي أقصى أمانيك


لا تتكلم كثيرا

لا تليق بالعالم ولا بأحد

وحين يفتح الليل فمه الواسع ليبتلع ظلامك

يبقى قلبك معلقا بفراغ كبير

كألامك المخيفة حد الهلع 

تسكنك كشبح يقتات على روحك

فتدرك أنك لا أكثر من لوح زجاج

شفاف، مصمت، عاجز عن الحب


٨/١٢/٢٠٢٠

تاريخ غير قابل للنسيان

 زي النهاردة قلبي اتكسر 

ومتصلحش

Friday, November 15, 2024

عصاة سحرية


*


ترى ابنتي الصغرى العالم إما أبيض أو أسود، مع ذلك 
تصدق في السحر، عندما أنجز بعض الأشياء بشكل سريع، تقول لي هل تملكين الماجيك واند، فأخبرها لا فقط اتحرك مع عقارب الساعة، مع ذلك عندما يخفت الضجيج من حولي أتربع على كنبتي وأجلس دون حركة، فتخبرني الكبرى تحبين الكنبة أكثر منا جميعا، هذا وأنا أوصلهم إلى التمارين وأعياد الميلاد وتجمعات الأصدقاء وأحكي حدوتة قبل النوم، أو أغني تهويدة ما، بجانب عملي 11 ساعة يوميا, ضيفوا إليها نصف ساعة ذاهابا وأخرى إيابا، ليصبح المجموع نصف يومي كاملا بعيدا عن جلستي على كنبتي الحبيبة، أرسل إيميلات استفهام للمعلمين أو غضب من تقاعسهم في التعامل مع التنمر، أو أختصر الكتابة ليجدوني أمامهم في الاستقبال لأفهم تأخرهم في الرد على استفساراتي.
أحيانا أتحدث مع أصدقائي بشكل يومي أشاركهم هلعي وأحيانا أنسى أن لي أصدقاء، فألتزم الصمت.

في السنوات الأخيرة، صرت أجلس في منتصف اليوم أو نهايته عندما يخفت الضجيج، دون عصا سحرية، أشرب مشروبا مفضلا وأسمع الموسيقى أو أشاهد فيلما ما، كل ذلك وأنا أعد الجمل والكلمات التي نسيتها أو أكلها قاموسي الذهني.. 

سيصيبني الزهايمر يوما ما، أعرف ذلك يقينا دون إضافة أي دراما على الأمر، فقط أنتظر اللحظة التي أنسى فيها كل شيء مهما كانت قسوة التبعات

لم يعد هناك ما يهم
ربما
لم تعد كل الأشياء تعمل معا للخير
فقط
لتدارك اللحظة واستمرار الرتابة
حتى الألم لا يهم

لم أحك عن المرة التي قررت فيها أن أضع حدا للألم، هذا الوجع الذي يضع وضع محل القلب حجرا، عدم القدرة على البكاء، هذا الصمت اليائس، كأن شيئا لم يكن.. يومها، يوم قررت أن أغمض عيني للمرة الأخيرة وفشلت، أيقظتني يد غير التي أرغب، لكنها على الأقل أيقظتني، يومها لم أبك، ظلت معدتي تؤلمني لأيام، تماما كما تؤلمني فكرة أن قدرتي على اليأس تضاعفت، واستبدلت الأمل بهكذا بساطة..

أنا في نهاية اليوم، دون عصاة سحرية، جعبتي خاوية من أي حواديت، ولم يعد لدي القدرة على البكاء على ما ضيعناه، وقلبي مربوط بحجر.. فقط أرغب في أن أجلس على الكنبة في نهاية اليوم حين يخفت الضجيج تماما، أسمع تهويدة ما تخبرني بألا أحزن..
١٥ نوفمبر ٢٠٢٤
*Random painting from the internet

Sunday, January 21, 2024

حيث في كل خطوة قمر مكسور*

 لقد بدأنا نعرف ما معنى الزمن

عندما نعود إلى البيت وحيدين

متشابكي القلوب والأصابع

بدأنا نعرف ما تعني الصخور النائمة في البحر

الشمس النائمة في السماء

والأغاني النائمة في المقبرة

بدأنا نعرف لماذا ننام ونأكل

ونسير في الشوارع بلا هدف

حيث في كلّ خطوة قمر مكسور

حيث في كلّ كلمة قبلة مذبوحة

حيث في كلّ (صباح الخير) طلقة مخبأة


*من قصيدة "حيث في كل خطوة قمر مكسور" لرياض الصالح الحسين.

Thursday, January 11, 2024

مشاهد معتادة



أنام كل ليلة وأنا أتمنى أن أنسى كل شيء في الصباح التالي. أستيقظ كل يوم وتتعلق عيني بسقف الغرفة لنصف ساعة، لا أتمكن من الحركة، وأقول بهدوء هذا هو موسم الخسارات، عندما يتحول يوم عادي جدا لمأساة إغريقية.

صباح اليوم، استيقظت ورددت بصوت مسموع، أحب المعجزات، لربما تحدث معجزة ما تعيد لي توازني.. وقبل أن أتحرك للعمل، قررت أن أكون سعيدة.. 

في المترو، اختار عربة السيدات، هذا ما عودتني عليه بلادي، ليس بحثا عن أمان ما، بل تجنبا للخوف.

نواياي كانت طيبة لكن حظي سيئا، دخلت العربة، فرأيت امرأة في ظهرها سكين، ودمها يملأ الأرض، تتحاشاه النساء عبر القفز على أطراف نعالهن.

كانت المرأة، سأسميها س، كانت س تسند راسها على عامود بمنتصف العربة، وتهمهم بينما تقع من عينيها دمعة بين حين وآخر تشق بركة الدم المنهمر، وضعت يدي على كتفها وعرضت مساعدتها، فرفعت وجهها ونظرت لي، حينها قفز قلبي فزعا.

في المحطة التالية قفزت خارج العربة ورحت أقلب يدي وأقرص نفسي لأستيقظ..

تقول أمي إن حلمتِ بكابوس اغرسي في اصبعك ابرة، أنا أخاف الكوابيس وأتوه فيها، فكنت أضع في مخدتي كل  ليلة إبرة تجنبا لألم الأحلام المرعبة.

بعد أن قفزت من المترو قرصت نفسي، أشعلت سيجارة وأطفئتها في كف يدي، وأدخلت إبرة كاملة في إصبعي الإبهام، لكني لم أستيقظ وصرت اتألم أكثر من ندوب سببتها لنفسي.

تقول طبيبتي، لابد أن تنامي، أخبرها أنني أرى كوابيسا مرعبة وكلما اوشكت على الموت داخل متاهة الحلم، انتقلت لحلم آخر، وكلما وجدت من ينقذني، يضيع فجأة في سديم لا نهائي.. 

في العمل، في غرفة التسجيل، جلست على كرسي مقابل زميلي ف انتظار أن ينهي عمله على تقرير ما ليعطيني اشارته ويخرج صوتي مناسبا للصورة، لكن قبل أن ابدأ، قال لي زميلي أترين تلك الخطوط، وكان يقصد اهتزازات الصوت على الشاشة، والتي خرجت غير متناسقة تماما، يصعد الصوت فجأة وينطفئ فجأة، قال هذه كارثة أمر مرعب ولا يمكنني التعامل معها.. قلت له لا تقلق اهتزازات صوتي أضعف من هذا الرعب، وأكثر ألما من أن تسبب كارثة..

في فترة الراحة من العمل أدخن الكثير من السجائر، أرسم بين ندوب جسدي خطوطا للخروج من متاهاته المؤلمة، لكن لا أصل، استمر في الركض، وكأن خلفي شبح، وعندما أعجز وأنظر للسماء، تختفي..

أفكر كثيرا لما لا يختفي الألم، أو لماذا لا نختفي نحن، عندما يصل بنا لحد غير محتمل...

أقول لطبيبتي، هناك أمور لا أعرف كيف أشرحها تماما، إحساس غامض يسيطر علي، كأن أرى الورق الأصفر يتساقط ويملأ الشوارع فأجلس على ناصية ما وأبكي، أو أرى امرأة وحيدة في المقهى تقرأ كتابا عن الحب فأربت على كتفها.

الفزعة تقبض على قلبي، أضع يدي على الناحية اليسرى لصدري وأضغط بشدة كي لايترك جسدي ويغادر.

في الشوارع تعلمت عد بلاط الأرصفة، أتحرك كسيزيف، على ظهري حجرا فلا أرفع رأسي كي لا يرى العالم السماء تتساقط من عيني.

11 يناير 2021

Wednesday, December 13, 2023

عن بابا!



.الآن فقط أدركت لماذا فعلت ما فعلت

في الأصل ولدت وأبي لم يكن في المنزل كان وفق روايته وأمي قد ذهب للتو إلى العمل "وحدته العسكرية" لقضاء بضعة أيام كالعادة، ثم ذهبت أمي في شتاء قاسي لبيت أمها , جدتي، وهناك جاءها المخاض وبقيت عند جدتي أسبوعا حتى عاد أبي من العمل وأخذني وأمي للمنزل ومعنا خالتي تحمل ما تيسر من بيت جدتي لأمي

لذا فأنا أحكي لكم الآن عن أبي الذي لم يكن متاحا طوال الوقت، رغم ذلك فهو قادر تماما في وقت وجوده أن يجعلني أعيش احتفالات ويترك لذاكرتي الكثير من التفاصيل، الكثير من الضحك، الكثير من الحكايا


في المساءات كان يغني لي أبي ثم أصبح يغني لي ولأخي، ثم لي ولأخي ولأخوتي وعندما تنقطع الكهرباء كان يجمعنا حوله ويحكي عن أبيه، جدي الذي لم أره أبدا، أو يحكي حواديت أو يغني أغاني عمر فتحي الذي أحبه أبي كثيرا، أو مربعات ابن .عروس التي أحبها أبوه


قبل سنوات كنت صغيرة لم أتعد الأعوام الست، كان أبي بحكم عمله يغيب أغلب أيام الأسبوع في عمله، يعود في أيام إجازته يوما أو اثنان في أحسن الحالات،  ويذهب إلى وحدته العسكرية ثم يدور الأسبوع شأنه شأن كل الأسابيع، ومنذ كنت في السادسة وحتى ساعات قليلة مضت كانت هناك ذكرى قاسية في عقلي لم تتركني أبدا.


كنت أذهب للمدرسة وحدي، أمي أخذتني للمدرسة التي تبعد عن بيتنا نحو ١٥ دقيقة سيرا أو ربما أكثر فعقلي الصغير حينها كان يراها مسافة مخيفة وطويلة، والأمر المطمئن الوحيد أني قبل نهاية هذه الرحلة في ثلثها الأخير، كنت أمر على بيت جدتي لأني لينضم لي ابن خالي وكان في نفس عمري ونذهب سويا.


في يوم شتوي أيضا استيقظ أبي صباحا وحضر لي الساندوتشات وقال "إيه رأيك أوصلك النهاردة المدرسة في طريقي" يمكن لأي منكم ممن يحب أباه أن يضرب فرحتي الصغيرة ١٠ أضعاف ليعرف كم كنت سعيدة يومها.


كان أبي وقتها سيمر على صديقه بالقرب من المدرسة، وهو أمر لم يكن يحدث كثيرا، فبيتنا يقع بالقرب من طريق مباشر اقرب للمواصلات من طريق المدرسة، لذا ارتديت ملابسي وقتها سريعا وكنت جاهزة لأني على يقين أن هذه الرحلة بينما يمسك أبي كفي الصغيرة لن تتكرر كثيرا.


انطلقنا من المنزل وظللت أتحدث وهو يضحك، ثم فجأة ظهرت سيارة يقودها رجل يعرف أبي فتوقف وتحدثا قليلا وعرض الرجل أن يوصلنا في طريقه، قال أبي يسألني؛ "يلا يا دودو نروح مع عمك "فلان"؟ لكني كنت واضحة وحادة أن "لأه لأه" ثم قطبت وجهي فاعتذر أبي من صديقة ورغم محايلاتهم لي رفضت، فذهب الرجل وقال أبي ضيعتي علينا توصيلة.


اه نسيت أن أخبركم أن أبي حينها كان قد بدأ يعاني من آلام في الكلى (عرفت هذا المصطلح بعد سنوات) تمتد لظهره، وفيما بدى وجهه منزعجا، ظللت طوال الطريق أقول له "أنا آسفة، أروح أجري ورا العربية أقوله هنروح معاك ومتزعلش؟" لكن أبي عاد وضحك وقال "خلاص مش مشكلة احنا ماشيين أهو".


تحول هذا اليوم بالنسبة لي إلى يوم سيئ للغاية لأن كل ما شعرت به أني أحزنت أبي وهو لم يكن بكامل صحته، وكلما مرت الذكرى في عقلي حتى ساعات مضت كنت ألوم نفسي وأوبخها ثم أعود وأقول أني كنت طفلة وهذه أفعال أطفال.


قبل ساعات فقط بينما أتذكر أني قبل يومين وقفت وأبي وأخرجت علبة سجائر بنكهة النعناع وقلت له تشرب يابابا؟ قال وهو يغالب الضحك "يابنت الللل بتشربي سجاير يا غادة؟" فقلت "دي نعناع يا بابا تفاريح تفاريح خدلك واحدة" ضحك وأخذ سيجارة وقال وهنولع منين يافالحة؟ فذهبت لرجل يشرب سيجارة وأخذت ولاعته أشعلت سيجارتي ثم عدت لأبي وهو ينظر مندهشا وأشعلت له سيجارته" ووقفنا وجها لوجه نضحك.


قبل ساعات فقط فهمت أن ما فعلته وعمري ٦ سنوات لم يكن أفعال طفولية حمقاء، بل كنت شخصا عاقلا يعرف أنه إن ركب تلك السيارة مع صديق أبيه، سيتحدث أبوه مع صديقه الكبير في السن ويترك الطفلة الصغيرة عابسة وحزينة على الفرص النادرة التي نضيعها، لذا أعتقد الآن أني لن أحزن أبدا على هذه الذكرى، لقد نجحت في أن أقتنص وقتا مع أبي أحكي له عن أصدقائي الخياليين وعن مدرسة العربي والدين ومقعدي منتصف الفصل.


اعتدت أن أذهب للمدرسة وحدي، أقول دوما درست ١١ عاما لم يزرني فيها أبي في المدرسة سوى مرة لأني نسيت مصروفي، حضر وقت الفسحة ووقف عند باب المبنى الفاصل بين منطقة اللعب ومدخل الفصول ومعه زوج خالتي، فيما جرت علي صديقتي تقول "باباكي هنا باباكي هنا" وجرت فجريت خلفاها لأرى أبي الذي كان صغيرا وشابا وجميلا، وقتها شعرت بالغيرة والانزعاج، فهناك صديقاتي تقلن "أبوكي حلو قوي يا غادة"!

Thursday, October 20, 2022

اليوم الثاني

 استيقظت صباحا بصداع حاد، كنت نائمة لنحو ٩ ساعات أو أكثر، لكن يمكنك أن تعتبرني منتبهة طوال هذا الوقت، أشعر بكل شيء حولي، غلق الباب بشدة وغلقه ببطء، صوت المياه ينزل في حوض المطبخ كأنه يدق في رأسي. بررت لنفسي وأنا أشجعها على النهوض بأن الأمر ما هو إلا تداعيات ليلة أمس.

نسيت أن أكتب ماذا حدث بالأمس، كنت أقود السيارة على الطريق السريع وفجأة انتلبتني موجة بكاء ونحيب وصريخ، أدركت حينها أني بيني وبين النهاية ضغطة قوية على دواسة الوقود، خفت، ليس لأني غير مستعدة، أنا فقط خفت، فكرت في السيارة أمامي وخلفي وجانبي، ماذا لو بها أطفال أو أناس سعداء ليسوا مستعدون الآن لمغامرة كتلك، لذا كان الحل بينما يرتجف جسدي أن أسلك طريقا خطأ لأول مخرج على اليمين وأقف عند حارة الطوارئ.

عشر دقائق كاملة أبكي بشكل هيستري وأصرخ وأقول في نفسي لو أن سيارة شرطة فقط تقف الآن وتنقذني من هلعي، لكن لم يحدث. هدأت روع نفسي بنفسي وهاتفت مستشفى أزوره عادة عندما أمرض سألتهم بوهن هل هناك طبيب نفسي لديكم حاليا؟ فقال عامل الهاتف بإنجليزية ركيكة آسف ليس لدينا التخصص، قلت له وانا أبكي أنا لم أنم منذ يومين كاملين ورأسي يقتلني فقال ربما إن حضرت إلى الطوارئ يساعدك أحدهم.

لم تعجبني إجابته فأغلقت الهاتف وحادثت مستشفى آخر وبكيت أكثر فقال تعالي إلى الطوارئ، أغلقت المكالمة وبدأت أتحرك بصعوبة مرة أخرى على الطريق وفي رأسي عاد الصوت مرة أخرى زيدي قوة قدمك على دواسة الوقود وكل شيء ينتهي بسلام.

لكن وصلت إلى المشفى الأول قبل أن يسيطر على الصوت، هناك قالوا لي أن انتظر ساعة ونصف فخرجت إلى المشفى الآخر فقالوا تنتظرين ٤٥ دقيقة حتى يساعدك أحدهم، انتظرت حتى آخر ثانية في الدقيقة فقالوا ٤٥ دقيقة آخرين، فرحلت دون أن أقول كلمة وصلت المنزل ووضعت رأي على الوسادة ونمت، ٩ ساعات نائمة ومستيقظة في نفس الوقت، الأمر موجع ولا يمكن شرحه، مثلا كشخص سقط في بئر عميقة، لاهو قادر على الخروج ولا أحد يعلم أنه هناك بالأسفل.


Wednesday, October 19, 2022

طنين

 حسنا، لم يعد الأمر اختيارا، أصبح يهاتفني كل ليلة، يدور في رأسي طنين مستمر أفقد معه القدرة على التفرقة إن كان ما يحدث حقيقة أم هلوساتي العقلية، صوت وحيد مستمر ورتيب يقول لي السكين في المطبخ، السكين في المطبخ، السكين في المطبخ وعروقك نافرة، والأحمر سيغدو لونك المفضل.

الأحمر ليس لوني المفضى بأية حال، عندما تسألني ليلى وفيروز ما لونك المفضل يا ماما، أقول الأصفر يا ليلى، أو الأزرق يا فيروز، كي تحبني كل منهما أكثر، لكن أنا لا لون مفضل لدي، وإن أصبح الأحمر فلا عيب في ذلك.

أيقنت أني لا أملك من أمري شيء، ولا طاقة لي على خوض حروب لأجل نفسي، كل ما يشغلني الآن خطط النهاية، أضع خطة تلو الأخرى لأكون جاهزة، فإن فشلت واحدة طبقت الأخرى.

يزعجني الصوت في رأسني، يحرضني وأنا الجبانة، يضغط علي وأنا الواهنة. لما لا تبقى النهايات سهلة كالانتهاء من شرب كوب ماء.

Tuesday, October 18, 2022

ما يجب أن يحدث

 يوما ما سينتهي كل هذا الألم، بجرة السكين على الأوردة، وببحر من الدم، الأهم أنه سيتم بهدوء بلا ضغينة ولا أصوات عالية ولا بكاء، ربما دمعة أخيرة وقت طلوع الروح.

يوما ما قريب سأكف عن حمل قلبي المكسور في حقيبتي الممتلئة بالتذكارات، وستلتأم جراحي العديدة وتهدأ روحي.


Friday, September 03, 2021

شيكا بيكا

 أنا راح مني كمان حاجة كبيرة

أكبر من إني أجيبلها سيرة

....

تلخيص مبهر لكل ما لا يمكنني البوح به 


Sunday, July 26, 2020

ذكريات بعيدة

في صيف عام ٢٠١١، كنت في مدينة ساحلية بعيدة وفي ظهيرة شديدة الحرارة اتجهت نحو البحر، رأيت فتاة سمراء طويلة عارية تماما، جسد ابنوسي حقيقي، شعرها قصير ومجعد، كولد يحاول أن يطيل شعره، لم يكن يغطيها شيء سوى منشفة يبدو عليها القدم ألقتها على كتفها الأيمن

لم اقف مكاني أكملت الطريق ولم أنظر إليها مرة أخرى، شعرت بخوف غريب، ليس خوفا منها، ربما خوفا عليها، كانت تتحرك رافعة رأسها لأعلى لا يبدو عليها أي خوف أو اكتراث، لا تجري من أحد ولا يتبعها أحد. أما أنا فكنت أتلفت في الشوارع أحاول أن أمنع شخصا خياليا يحاول اللحاق بها، أو ربما أمنع عنها أطفال الشارع الملاعين من حدفها بالحجارة. الغريب أن الشارع كان خاويا تماما، ولم يكن هناك ملاعين صغار أو كبار يجب أن أخاف عليها منهم. ربما الأمر طبيعيا في ظهيرة قائظة في نهاية أغسطس 
بعد ساعة من وجودي على البحر احترق جسدي ووجهي وعدت للفندق، صاحب الفندق، دكتور كرياكو، نعم هذا اسمه، مدرس بجامعة يونانية، ورث الفندق عن أبيه ويأتي مرة واحدة سنويا لمصر يفتح الفندق لزبائن فكرت أنه ورثهم أيضا عن أبيه. في نهاية أغسطس كانت مجموعة صغيرة من الرواد بالفندق سفير الدومنيكان وصديقته ورجل وسيدة كبار في السن، وأنا وزوجي. 
سألته عن الفتاة، قال لا يعرف ربما عقلها ملووث، فهنا الوضع تغير كثيرا، قبل ثلاثين عاما حتى لو كانت طبيعية وخرجت للبحر عارية أنا واثق أن شيئا لم يكن ليحدث. قلت له إن شيئا لم يحدث بالفعل، على الأقل في الدقيقة التي باغتني وجودها في الشارع.
كل ليلة على وجبة العشاء الخفيفة في مطعم الفندق ذي الطاولات الخشبية المغطاة بمفارش بيضاء مصنوعة يدويا ويبدوا عليها القدم رغم نظافتها يمر بنا دكتور كرياكو ويقول سنشرب الشاي معا بعد العشا.
نأكل ونخرج لنجلس معه، ثلاث طاولات بلاستيكية بيضاء وحول كل طاولة اربعة كراسي بلاستيكية أيضا. الفندق، كان اسمه "دي روز" وكان أشبه بمنزل قديم يشبه منازل تركتها الحرب، والحرب لم تكن بعيدة عن تلك المنطقة بأية حال، نحكي ويتكلم عن الوطن والعالم الذي سيتغير تمام دون رجعة والنوستالجيا التي أحبها.
قال لقد نزل في هذا الفندق مونتجمري وقبله إسماعيل صدقي باشا وغيرهم، يونانيون وطليان ومصريين وإنجليز، لقد كنا الفندق الوحيد في المنطقة لسنوات طويلة شيده أبي في العام ١٩٢٩. 
الفندق من طابقين، كنت اقضي بعض الوقت في الصباح أتنقل بين الغرف العتيقة وأرى تذكارات تصلح لإقامة متحف صغير. الطبعة الأولى من مجلة قديمة لا أتذكر اسمها موضوعة على مكتب من خشب ثقيل، خلفه كرسي أسود من الأبانوس ومنفضة سجائر وغليون حشبي عتيق.
وقفت أمام لوحة من لوحات وجوه الفيوم التي أحبها وتذكرت الفتاة التي رأيتها في الصباح وعدت لأسئله مرة أخرى بالتأكيد هناك من يعرف عنها أي شيء.
كرياكو لم يكن متحمسا للحديث عن الفتاة أو أي تفاصيل قد تضع الخوف واضحا أمامنا على الطاولة البلاستيكية البيضاء بكراسيها الخضراء في فرندة الفندق.
حول الفندق أو البنسيون كما يحب أكثر أن يسميه الناس، فنادق كثيرة حديثة بغرف مكيفة وحمامات خاصة، ووجبات إفطار وغداء وعشاء على طاولات مفرودة تختار منها ما يعجبك. 
داخل دي روز كان الوضع مختلف تماما، تجلس على الطاولات الخشبية العتيقة في منطقة الطعام تحيط بك صور بالأبيض والأسود، يخبرك الطاهي "الفطور ككل يوم فول وبيض وجبن ومخلل وخبز صابح ومربى برتقال طازجة، عادة نقدم المعلبة لكن جاء للفندق هدية من أحد الزبائن."
أجلس في انتظار الطعام لا لشيء سوى تلك الحالة من الانفصال عن العالم، في هذه الغرفة الصغيرة التي لا تحوي سوى ٤ طاولات، مضاءة باللون الأصفر، وفي نهاية غرفة المكتب العتيقة المجاورة يخرج صوت أسمهان اسمعه من المطعم الصغير وانتظر مربى البرتقال.
"يا حبيبي تعالى الحقني شوف اللي جرالي من بعدك"
لا أتذكر اسم الطاه، مرت تسع سنوات، سأسميه خليل. سألته ذاك اليوم على الفطور، لقد رأيت بالأمس فتاة بهذا الوصف في الشارع وأخشى أن يكون قد حدث لها شيء. 
قال لا تقلقي هنا البلد متروك وبعيد ولا يوجد أناس كثيرون ولا يسعى أي شخص هنا لإيذاء أيا كان، أنا لا أعرف الفتاة لكن سمعت عنها يقولون مجذوبة تسكن على أطراف المنطقة بين الصحراء والبحر ويساعدها الناس ببعض الطعام.
اليوم الأخير قبل السفر خرجنا بعد الإفطار في البهو الصغير بين البنسيون والشارع نشرب فنجان قهوة، أبديت امتناني للوقت الذي قضيناه، كلفتنا الفترة كلها مبلغا قد يكون أقل من مكوث نصف ليلة في أي فندق آخر، أخبرت كرياكو  أن الشجر المحيط بالمنزل يذكرني ببيتنا قبل أن يهدم أبي حديقته ليبني جراجا للسيارة.
قبل أنا نتحرك للشارع رأيتها من السور الصغير، فتاة الأبانوس، ترتدي عباءة مطرزة تشبه عباءات البدو، قلت هذي هي، تبدو بخير، لكنها ربما لم تكن كذلك. 
الطريق طويل للمدينة المكتظة بالعوادم وأصوات السيارات المزعجة، ٨ ساعات في الطريق تقريبا، كنت أرى كل كوخ يقع بين الصحراء والبحر بيتها. 
تسع سنوات كلما أعادتني الذاكرة هناك، أشعر بأن شيئا ما كان يجب أن يحدث، تماما مثل هذه الأيام، شيئا ما يجب أن يحدث.

Thursday, November 21, 2019

مزيج الفشل


تقول لنفسها وهي تنظر للوحة ما، أنا في حاجة للجلوس على هذا الكرسي تحديدا داخل اللوحة،
اللون الأحمر سيغمرني ويلغي ملامحي المريضة، ليس علي سوى أن أضع كفي على شعري 
القصير وأسند رأسي على الطاولة أمامي، و الموسيقى في الخلفية ستكون كفيلة بتشتيت العيون
عني، وتساعدني على الانهيار أكثر.

أن تكون في حاجة للانهيار، أن تشعر بثقوب في قلبك وترى الحوائط تقترب وتضغط على رئتيك
أكثر، ولا سبيل لكي تتنفس سوى أن تختفي الثقوب، تضغط بأصابعك العشر على قلبك، فتنثقب 
روحك. 

أفكر وأنا على الكرسي المتهالك باللوحة أن لا رغبة لدي سوى النوم فقط. أسأل: ما الذي يمكن أن
يحدث أكثر فأنا لا أشعر بالألم أو لأكن صريحة، أنا أشعر بألم كبير، لكن، لا أهتم به.

محاولة فاشلة للتشبث بكل شيء، رغم أنك  لست فاعلا في الحكاية، مجرد مشاهد من بعيد، مشاهد
عابر، فشل في وضع ملامحة في مكان ما، ولم ينتظره أحد، كلها محاولات لم تنجح. لأنك هامشي،
ألامك هامشية، حبك هامشي، حتى في فشلك هامشي.

آتي وأذهب، أحلم أن أبادل حياتي بالموسيقى، وأحاول ألا يصطادني الألم. أفكر مثلا أنني لا أغضب،
ليس لدي فرصة للغضب، لأنني إن غضبت ربما أحزن، وإن حزنت ربما لن أستطيع أن أكمل اليوم،
اليوم المعتاد الذي يجب أن يكتمل، أن أقف في المطبخ، أغسل الأطباق المركونة منذ الأمس، البكاء
على مقطع فيديو حزين، أو الضحك على نكتة حمقاء، وغيرها مما يحدث يوميا في الحياة.

عندما يفشل كل شيء ويتمكن مني الحزن، أضع الموسيقى دون أن أحدد شيئا أسمعه، كل ذلك غير
مهم، المهم الآن أني أضبط نفسي دائما، عندما يضغط عازف الكمان بالقوس على الأوتار في الخلفية،
وأنا أقبض على الأوردة كي لا يتصفى دمي، لا أعرف متى تركت تلك الأوردة جلدي وانفتحت لتغرق
أرض المطبخ، ما يزعجني أكثر من الدماء أني سأحتاج أن أنظفها سريعا، لا أرغب أن يدوس عليها 
الأولاد بنعالهم وتترك بقعا على السجاد، ليس لدي الطاقة على تنظيف الدم اليوم، لكنني أضطر، أمسك
المنشفة الصفراء وأبللها بالماء وأجلس على الأرض بجوار بقعة الدم وأنظف الأمر بسرعة كي لا تترك
أثرا.

تتقطع أنفاسي وأنا أهرب مسرعة من شيء ما يتتبعني خطوة بخطوة، ألف الشوارع فيتبعني أصعد على
الأرصفة فيلتف حول قدمي يريدني أن أنقلب على وجهي، ألهث ككلب وحيد قطع أطفال الشوارع ذيله
ليلعبوا به، تنزل دموعي وأنا أجري دون أمل، أفكر سريعا سريعا ماذا يمكن أن يحدث، أنا في المواجهة
تماما، أضعف مما يمكن أن يتخيله أحد، أكثر حزنا من امرأة رأت الموت يدق على زجاج سيارتها،وقبل
أن ينجح هذا الشيء في قتلي أستيقظ وأنا أبكي، أنام فتخنقني الكوابيس،أستيقظ فلا تفارقني الصور المرعبة.

أمس بكيت لثلاث ساعات متواصلة وأنا أضع رأسي على الوسادة، لم أدرك متى ذهبت في النوم فقط 
استيقظ على صوت المنبه لأمارس ما أتقنه يوميا من الهرولة خلف سراب ما، هاربة من حلم لم أنجح
في إداركه.

Sunday, June 16, 2019

نهاية غير مؤكدة بعد


بعدما حدث ما حدث، وعرف ما عرفت، وأصبحت في قائمة الانتظار
أصبح يؤلمني للغاية جمل تبدو مبهجة مثل، "أنت من أجمل من عرفت"،أو
شكرا لأنك كنت جزءا منا،" أو "أنتِ شخصية جديرة بالاحترام وسعيد/ة للغاية"
".بمعرفتك
تبدو جمل تشير لشخص نظيف وجدير بالاحترام والثقة، لكنها نفس الجمل التي
.اعتدت على قراءتها في نعي أشخاص مقربين أو أصدقاء كانت سيرتهم طيبة

لست على علم كامل بما سيحدث، أو متى، وإن كان سيحدث في الأصل أم ستمر تلك
 الغمامة وأعود لمكاني مرة أخرى كل ما أعرفه الآن أني أرغب أن أكبر وأرى شعري
أبيض، لا أرغب أن يكتب أصدقائي عني كلاما جميلا، أرغب أن أكون هنا في كل
لحظة تكبر فيها بناتي، أن أخبرهن بحواديت وقصص كثيرة عني، لا أرغب أن يخبرهن
.أحد عني
وإن كنت بالفعل طيبة وجديرة بكل الكلام اللطيف، فلماذا يكتب علي أن أمر بتلك التجربة
وكل ذلك الخوف؟ لماذا يجب علي أن أنتظر ورقة بيضاء مكتوب عليها بالأسود إن كنت
.سأستمر هنا أم أصير مجرد حدوتة عابرة لم تترك حتى أي أثر

Saturday, June 15, 2019


لم أدرك أن الأمر مؤلم لهذه الدرجة

Monday, May 27, 2019

رقصة




كنت في الثامنة تقريبا، وكنا في الشارع أمام المنزل نجلس نساء وفتيات من ثلاثة بيوت
من عائلة واحدة نلعب لعبة لا أتذكرها، لكن كل ما أتذكره أنه في لحظة سألتنا الخالة الأكبر
عمرا بين الجميع ماذا تريد كل منكن أن تكون عندما تكبر، أم ستتزوجن وتمكثن في المنزل؟
:ضحكت بنات عمي، بينما وقفت أنا على أصابعي الصغيرة في تنورة لا أتذكر لونها، وقلت
أريد أن أصير باليرينا، قالت الخالة: يعني إيه؟ قلت: يعني أرقص باليه، قالت: طيب فرجينا
.درت في خطوات سريعة أقلد مشاهد رأيتها مرارا على التليفزيون ثم ضحكن علي، فجلست

تلك الذكرى لا تمحى، لم يضايقني ضحكهن، لكني تخليت عن حلمي الوحيد الذي لم أحلم غيره
فلم يكن ليسمح أبي لابنته في قرية صغيرة بتعلم الباليه ولا الرقص، عامين بعدها منعني من 
.ارتداء البنطلون  والتنانير القصيرة وركوب الدراجة ووضع على رأسي حجاب أبيض قبيح

أحببت وتزوجت ولم أمكث بالبيت مثلهن وصارت لي مساحات للثورة والكتابة والفن والسفر
لكن كلما تصادف وذكر أصدقائي أحلامهم الصغيرة، تذكرت البنت التي كانت تقلد حركات
 الباليه في شارع في قرية صغيرة أبعد ما تكون عن دار الأوبرا والمسارح، وحزنت، ربما لو 
كان حلمي تحقق كنت أصبح باليرينا جميلة بأجنحة فراشة ملونة تدور حول العالم وتعلق روحها
 .في السماء

Sunday, May 26, 2019

انتظار الموت

الانتظار موت، لم أحب الانتظار يوما، أذهب لمواعيدي في الدقيقة المحددة تماما
لا أحب أن أنتظر أحد ولا أن ينتظرني أحد، لكي الآن على قائمة الانتظار، تتخبط 
قدماي من الرهبة، ينهار قلبي كلما تذكرت أني يجب أن أعد الأيام المتبقية لأعرف 
.هل هناك أمل، أم أن الحياة اكتفت مني عند تلك اللحظة

لم يعد لدي ما أقوله للأصدقاء، فقط أنتظر وحيدة، فربما تشرق الشمس على روحي 
من جديد، وربما لا. سأعرف ووقتها فقط يجب علي أن أقرر، هل أبقي الوجع لنفسي 
. أم أشاركه

.الخوف مثل كلب وحيد قطع ذيله الأطفال في الشوارع وأنا خائفة ولا أستطيع أن أخبر أحدا

Sunday, May 12, 2019

خمس قصص متقطعة عن امرأة تخطت الثلاثين


ما الذي يمكن أن تفعله امرأة معلقة من أهدابها؟
.في باحة مهجورة ومنسية، ترثى نفسها حتى ينقطع الوصل الأخير، فتسقط دون أمل
ما الذي يجب أن تفعله امرأة تناثرت أحلامها تواً على قضبان ترام قديم وهي حبيبة البحر
لم تعد ترى البحر، لاترغب في الجري نحو الشاطيء، كل ما ترغب به النهاية حيث كل 
الأحلام باتت حزينة
......................
"وسيب على جبينا أثر خطوتك"

تسقط من التعب بعد أيام من العمل المتواصل، فناجين القهوة متناثرة، الموسيقى التسعينية 
تعيد لها أحلام قديمة، تتفقد الإيميل حتى لا تتجاوز الموعد النهائي لتسليم العمل، تسقط
  في نوم سريع دون أن تدرك، كل ما تتذكر أن اليوم أكثر قسوة مما تخيلت، أكثر صعوبة وملل
امرأة ثلاثينة ظهرت برأسها شعرة بيضاء لا تبذل جهدا في إخفائها فقط تتسائل متى حدث كل هذا
كيف عبرت تلك السنوات فجأة، تتذكر أن كل ما يشغلها كان كيف يمكن أن تستمتع بالموسيقى
تحت المطر أو على البحر أو وهي تشرب النبيذ الذي تخبئه في حقيبة خلف باب غرفتها، الآن كأنها
 تنظر لنفسها من خلف زجاج، تلك امرأة أخرى تفعل ما تفعله النساء، تطهو وتجري على العمل
 وتحمم الأطفال وتنظيف الأرضيات وتنشر الملايات وتحادث السوبر ماركت ما الذي جاء بي لهنا؟
..................

"خمس دقايق بس تنسمع ها الموسيقى"

لا أختلف عن فيروز في أغانيها كثيرا، أنا حقا فزعانة، ولا رغبة لي سوى خمس دقائق أرى فيهم
نفسي القديمة، أنظر على أخراي فأجدني على شاطيء بحر في رحلة ما وأقول لنفسي أنا محظوظة
 أن أبي سمح لي بالخروج لأيام، أحسد نفسي على الحرية التي أحصل عليها كل يوم،أشرب سيجارة
.وأقرأ وأسمع موسيقى وأحلم أشياء أفتقدها بعد عشر سنوات

منذ عشر سنوات كاملة خطوت نحو الحب لكني تركت شيئا لا أعرفه خلفي، ربما فتاة أكثر جرأة
منّي عشر سنوات لا أعرف كيف وجد الشيب فيهم طريقا لشعري، لا أعرف كيف أجد طفلتين
تتشبثان بذيل فستاني، ولا أعرف كيف يمكنني أن أنجو من حزني الذي صار يتراكم ويتراكم حتى
.أصبح صرحا كبيرا

أقول لنفسي أحيانا كثيرة، أنتِ محظوظة على الأقل لديك من الحب الكثير، لكن تقول طبيبتي لابد أن
 أجد لنفسي طريقا للعودة، أسألها هل يمكن في يوم ما أن نعود؟ وماذا يمكن أن يحدث، ربما إن
عدت ندمت، الحياة أكثر من فيلم رومانتيكي أو موسيقى تضرب القلب بسهم موقد بنار، فتخبرني
.أني لو تمكنت من العودة للخلف سأجد طريقا يرشدني لما أريد حتى إن كان هو ما أنا عليه الآن
....................................

"زي الهوا الساري وخيال الطيف"

ألوم الثورة على كل شيء، على الحياة، على الحب، على الغربة على كل شيء وأي شيء، ألومها
على توقفي عن الكتابة، على ما أصابني من اكتئاب على من تركتهم في ذاكرتي دون قتلهم على
.الكوابيس التي تطاردني، وعلى الأمل

لولا الأمل ما كنت الآن أخاف من نبرة صوت تقول لي العالم غير مثالي وعليك تحمل الوجع وعليك
.الصمت كلما توجهت إليك لكمات وكلما ذبلت عيناك، الأمل ذئب جائع وأنا كنت أمامه جثة دافئة
..................................

رغبة قديمة

في شوارع الإسكندرية مشيت وحيدة كثيرا صيف واثنان وخمسة، كلما كنت أرغب أضع نفسي
 بالقطار وأذهب اليوم لا أعرف كيف أخرج من باب المحطة، لا أتذكر المقهى الذي سمعت به أحلى
 ،موسيقى وشربت به أفضل قهوة على الإطلاق، الأفلام التي شاهدتها هناك،البحر الذي جلست أمامه
الزجاجات التي تحمل رسائل عديدة حتى أني هناك ألقيت بخاتمي المفضل ليساعدني البحر على
 تحقيق حلم بالكاد أتذكره،رغم ذلك لم أشعر بالوحدة قط،لكن الآن حتى رغبتي في البحر ذبلت تماما
.كورد الخريف وأوراق الشجر



Tuesday, February 19, 2019

لا متودعنيش

ما الذي يحدث تحديداً، أسأل نفسي وأنا أتحسس طريقي بين الجميع هادئة كي أساعد قلبيعلى تقبل
الغياب، ثقل المسافات ينزع عن قلبي سكونه، أجلس على كرسيّ الأخضر وأنا أعمل صامتة تماماً،
لا شيء يؤرقني حتى تبدأ تلك الأغنية:

لو حبّيت تغيب خلّي قلبي ينام و غيب بلاش كلام.. و غيب.. وين تغيب
و إذا وجهك ضاع في مسافات الليل خلّي ها الرحيل يكون من غير وداع
يمكن تهدأ جراحي و تغلّطني رياحي و نضمك في جناحي ساكن بين الريش
لا ما تودعنيش لا ما تودعنيش...لا ما تودعنيش...لا ما تودعنيش

قاتلة، مؤلمة، مثلما لم أسمـع من قبل، آخذ نفساً عميقا لأغلقها وأعود لدائرتي الهادئة مرة أخرى لكن
لا أتمكن، تسحبني تماماً، أبحث عن المغني مرة ومرتين وثلاث، في النهاية لا أجد عنه الكثير، صوت
من مياه، شفاف ورائق، الزين الصافي، هذا اسمه يضع على قلبي صخرة كبيرة ويغرقني،يأخذني 
للأسفل تماماً حيث لا أتمكن من التنفس، يرتفع أنينه الشفاف فلا أتحكم في دموعي، هكذا فجأة، أسأل 
نفسي مرة أخرى لماذا أرهق قلبي هكذا، ضغطه واحدة وأستطيع التنفس بهدوء مرة أخرىلكن ما 
يحدث حقاً أن تلك الموسيقى الهادئة، صوت العـود الوحيد ونغـمات البيـانو، هذا كله لا يترك لي حرية
الاختيار، ما أدركه جيداً أني حزينة ولا مكان لي لأقول أني حزينة، لا مساحة لأقول أن قلبي أزرق 
ونبضاته تتباعد، أشعر تماماً بما يحدث لي وأخاف أن أحكيه، أجد نفسي فجأة في منتصف موجة تأخذني
للأسفل، أو أمام قطار سريع، لم يعد لي ما أفكر فيه ويبهجني، لا أصدقاء يطيبون القلب، لا أحبة، وحيدة
تماماً كما يقول الزين الصافي وهو يحاول الصمود دون أمل، تلك النبرة الواثقة بحزن هي أنا، أضع
السماعات في أذني وأنام وأنا أسمع الأغنية كي أهرب من وحدتى لفراغ أغنية حزينة غالبا لم يسمعها
أحد من قبل.

"يمكن ثمة تحبّني ..تتخبى في قلبي ..تبني عشّ بقربي و للأبد نعيش"

https://soundcloud.com/scotch93/nk1aadvkbkzq 

Wednesday, August 29, 2018

ليلى


كنت أظن الأمر عادياً للغاية
لم أعرف أنه بالغ الصعوبة هكذا
إلا بعدما وضعوا حائط زجاجي بيننا
لا تريني منه، وأرى أنا ما يحدث بك
قلبي مفتت وهش
يتساقط الحليب منه نقطة نقطة تبحث عنك
نقطة نقطة كماء من نار
يحرقني كلما لم يجدك
تصيبني الحمى والوجع، ويقولون الدواء يطيب كل شيء
أنتِ فقط تطيبين كل شيء
أنظر من خلف الزجاج لأجدك تجلسين حزينة دون بكاء
الدموع تقف على الحاجز السفلي لعينيك لتقول كل شيء
ماما هنا
تسمعين صوتي فتذهبين لباب الخروج
وتعودين لكرة صغيرة تلقيها لك الجدة لتشغلك
ماما هنا لكن يقولون يجب أن نصمد كي تكبرين أسرع
أخبرهم لا يهم
سأقاوم وأعلقها على صدري وأنا أحضر الطعام
سأنجز عملي المتراكم وهي فوق رأسي تضحك
اه الضحك، يومان لم أسمع الضحكة المذهلة
أغرس السكين بقلبي وأقول ربما هم على حق
ربما يجب أن نقسو على أنفسنا كي نصبح أفضل
ستنمو أسرع وتكبر.. يقولون لي!
أحاول أن أصدقهم وأنا أنتظرك
بعيدة عن حضني لأول مرة منذ خرجتِ من بطني للعالم
تقول أمي يوماً آخر حتى تنسى
أسألها، تنساني؟
تقول أمى فقط تنسى التعلق بك
أخاف أكثر
جبيني صهد وصدري يؤلمني كجمر أحمر على جلدي
وأنتظر لحظة اللقاء.. تماماً كيوم خرجت مني للعالم



Wednesday, June 27, 2018

"أنا عندي حنين مابعرف لمين"


أكملت الثلاثين عاماً منذ عدة أشهر، كنت أضحك وأنا أقول لنفسي سأخبر من يسألني كم عمرك
 اني لم أتخط الثمانية وعشرون بعد، أنا صغيرة، سرقتني سنوات الثورة والأحلام والحب والأطفال
كنت أظن أن بوصولي لعتبات الثلاثين سأكون بالتأكيد قد زرت بلدان أكثر ما حلمت، وأكثر مما
تخيلت، لكن في الحقيقة أني لازلت هنا أستيقظ لأجهزالصغيرة للمدرسة وأصنع لها السندوتشات
.وأنا أحضر فنجان قهوتي، أنزلها للباص وأصعد لأشرب قهوتي وأبدأ في العمل

"يجتاحني صوت فيروز وهي تغني "بعدو ها الحنين من خلف الحنين..بالدمع يغرقني بأسامي
 منسيين أجد نفسي أقلب في الهواء لأتذكر ما الذي كان علي فعله تحديداً كي أصبح أسعد، هل أنا
.غير سعيدة؟ بالعكس أنا سعيدة، أحب حبيبي وابنتيّ وبيتي وأهلي أحبهم

لكن كل ما هنالك أن الحزن اجتاحني وربما اجتاح جيل بأكمله منذ ثماني سنوات، سنوات مررن
فجأة دون أن ندرك أننا هناك عند نفس النقطة من الكر والفر في الشوارع والأزقة نهرب من قنابل
 .الغاز،وربما نهرب من أحلامنا التي حاصرتنا وحاصرناها، أنا حزينة للغاية دون وطن دون أغاني

أهرب من كل شيء لآتي هنا، أعود لسنوات الشغف، منذ اثنتي عشر عاماً كنت هنا، طفلة تركض
 بالحب ملئية بالبهحة والرغبة والخوف والتوجس، كل ما مر بي هنا كان يحفظ لي قلبي الصغير
.دون رتوش

اليوم أدرك أني لم أعد أحلم سوى بالكوابيس المزعجة، قلبي مربوط بالخوف والهلع، أستيقظ وأنا
 أسقط أثناء نومي من هوة عالية، أقوم لأصنع فنجان القهوة وأشربها في صمت جوار سيجارة حزينة
 .صامتة

،الكتب تتكدس على الأرفف، الحزن يعشش في زوايا قلبي كعنكبوت مسكين، أخافه ويخافني، القهوة
 مُرة، الشوارع مخيفة، أراقب نفسي وأنا في الشارع، أراقب ظلي وأخاف منه، طفلتي وهن يضحكن
 .على خوفي، أقول ربما كان وقتاً مؤقتاً مقتطعاً وتعود الفرحة التي أنتظرتها كثيراً

في المرآة أرى غادة أخرى، طفلة عمرها ثلاثون عاماً، تبحث في صوت فيروز عن ماضيها اللطيف
.طفلة تكره الشوارع وتلزم المنزل، تكره السماء غير العادلة، تكره الوطن الذي أتعبها وأرهقها

أضبط نفسي أحياناً أفكر في الموت، بل كثيراً، أرتب في عقلي المسكين كيف سيعيش حبيبي بعدي،
كيف ستكون علاقة طفلتي ببعضهما البعض، كيف سيحاول أحمد أن يستمر من دوني؟
 هل ينجح؟ هل أفعلها؟

أنا حزينة وقلبي حزين كفرخ خرج من البيضة لم يجد أمه فارتجف حتى مات، خائفة كامرأة تمشي
 .وحدها في القاهرة المخيفة

أنا هنا أرى ظلي القديم، روحي الصغيرة التي احترفت صنع الضفائر للعرائس القماش،آتي لأشرب
.قهوتي وأسمع الموسيقى، آخذ وقتاً مقتطعاً من الحزن ربما يخفف عني هواجس الموت والانتحار